ابن أبي جمهور الأحسائي

55

كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال

ولما كان النبي المبلّغ للتكليف ، لا يجب بقاءه ببقاء المكلفين ، وجب في الحكمة نصب قائم بعده ، حافظ لأصول ذلك التكليف ، قادر على معرفة استخراج جميع تفاريعه ودقائقه ، مستجمع لجميع خصال ذلك النبي ، ليتم به الغرض المقصود من تحصيل كمال الخالق ، وذلك هو الإمام كما هو مقرّر في موضعه « 1 » . ولما كان النبي صلّى اللّه عليه وآله والإمام ، ليس في وسعهما القدرة على توصيل تلك الأوامر والنواهي إلى أفراد نوع الإنسان ، لكثرتهم وانتشارهم في البلاد المتباعدة عن بلد النبي والإمام ، احتيج إلى الاستعانة لهم على ذلك بنصب النواب في البلدان ، لتعليم الأحكام والقيام عليهم بها . فلا بدّ من وجود نواب لهم كمالية مأخوذة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله والإمام ، وقوة الاستعداد على إفادة الغير ، بطهارة أنفسهم المتكاملة بكمالهم الممكن لهم ، وتلك النواب ليس في وسعهم الرجوع - في الأحكام الجزئية والحوادث المتجددة في الأزمان المتعددة - إلى النبي أو الإمام ، لبعد المسافة ، واحتياج المكلفين في ذلك الوقت إلى تعريف أحكامها ، فلا بدّ أن يكون لهم قدرة على استنباط أحكام تلك المتجددات ، والحوادث اليومية ، من الأصول المحفوظة لهم عن النبي والإمام ، وذلك هو الاستدلال والاجتهاد الذي لا بدّ منه في جميع أزمان التكليف ، فكان وجودهم من ضروريات الدين . ولما اقتضت العناية الأزلية وجود نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله ، وبقاء شريعته ببقاء التكليف ، وقام بعده خلفاء حفظوا عنه ما أوحي إليه ، مما يحتاج الخلق في كمالهم إلى معرفته . ثم اندراج أولئك الخلفاء على ما اقتضته العناية الإلهية ، من المصالح

--> ( 1 ) تجريد الاعتقاد ص 221 . وراجع الهامش أيضا للوقوف على الدليل ، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : ص 366 . التحفة الكلامية للمؤلف : ص 19 ( مخطوط ) ، زاد المسافرين في أصول الدين : ص 51 . طبع مؤسسة أم القرى لإحياء التراث - بيروت .